| بادئ بدء أتناول الموضوع من زاوية ضيقة قلما تطرق إليها ذووا الاختصاص، وفي نيتي إماطة اللثام عن الحقيقة قدر المستطاع، حيث إن موضوع التبرج من أخطر مواضيع الساعة وأسرعها فتكا لبنية المجتمع المسلم، و كي لا أخوض في أسلوب الترغيب قد بات في نظر أكثر النساء أسلوبا مألوفا ، فإني بحول الله تعالى أتناوله بطريقة الترهيب. ولعل السؤال الجوهري – على الأقل في نظري – لماذا تلجأ أكثر النساء إلى التبرج ؟ وهل الدافع إليه هو دافع فطري أم مكتسب ؟ وهل حقا وجدت المرأة نفسها بالتبرج ؟ لا يخفى أن التبرج ظاهرة تاريخية تمتد بامتداد وجود المرأة نفسها، فالمرأة المصرية على عهد الحكم الفرعوني كانت لها طريقة معينة في التبرج تخالف طريقة المرأة المصرية في عهدنا الحاضر...ولو تتبعنا الظاهرة عن كثب تاريخيا لوجدنا ظاهرة التبرج متنوعة من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر، وأشدها انحلالا عبر الزمن تتجلى في وقتنا هذا، لأن من طبيعة أي ظاهرة كانت – سواء طبيعية أم إنسانية – أن تتنامى وتتشكل على وتيرة تصاعدية إن لم توظف موانع هذا التصاعد وتستغل، وأكثر الموانع تأثيرا على زحف ظاهرة التبرج هي الموانع الشرعية ، ذلك أن الشرع – الإسلامي مثلا – نهى عن التبرج بكل أنواعه بالإقناع والبرهان لا بالشدة والإكراه. ونحن إذا تدبرنا أسباب التبرج من زاوية شرعية وجدناها أسبابا مكتسبة متعلقة بأفعال العباد لا فرق بين النساء والرجال، لكن من زاوية وهمية تجلت وكأنها أسبابا طبيعية وبالتالي تضاف الظاهرة إلى حقوق الإنسان بنوعيه الذكوري والإناثي، لأن التصرفات الطبيعية بشتى أصنافها هي في النهاية حق فطري وجب التخلق بها وامتثالها سلوكيا. والإسلام كدين سلوك يخبرنا عن حقيقة التبرج بأنه تصرف مكتسب تاريخيا فقال المولى تعالى " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" وبالتالي فإن لظاهرة التبرج أسبابا مكتسبة أيضا، وهي متعلقة بفعل المعاصي في نظر الدين الحنيف، فإذا تدبرنا كلامه تعالى لما قال " وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ* قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" فلما أنعم الله تعالى على آدم وزوجه عليهما السلام في الجنة دلاهما الشيطان بغرور فأكلا من الشجرة المُنهى عنها ، فكانت نتيجة هذا الفعل المخالف لأمر الله أن بدت لهما سوآتهما معا، وقد بين الله تعالى بأن الشيطان وسوس لهما بأكل الشجرة لغرض التبرج وخروجهما عن المألوف. من هنا نجد أن سبب ظاهرة التبرج بنوعيه هو سبب متعلق بالمعاصي، فكل امرأة تمادت في تبرجها فلأنها قطعت من قبل شوطا كبيرا في المعاصي، ولست أفرق في هذا المقام بين معصية وأخرى، لأن مجرد الأكل من شجرة نهى الله عنها هو فعل كفيل بالوقوع في التبرج. من هنا يتأكد عندي سخافة القول بأن المرأة إنما تتبرج إظهارا لزينتها لغرض الزواج أو ما شابه، بل هي تتبرج في نظر "الدين" لأنها وقعت من قبل في المعاصي ولم تتراجع عنها، فآدم وزوجه عليهما السلام لما قالا: " رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" سترهما الله تعالى بأن تجاوز عن معصيتهما بعدها، لأن التبرج ليس من طبيعتهما. ونحن إذا ما تتبعنا الظاهرة فردا فردا باستقصاء نتائجها لوجدنا بأن المتبرجة لم تجد ذاتها بالكشف عن زينتها، بل هي تتمادى في بحر لا ساحل له، ولو كانت رغبتها من التبرج هي الوصول إلى الزواج فإنها ستضل عانسا ولو تزوجت، أما إن كان الغرض من ذلك هو نشر الفاحشة بين المسلمين فإن الله تعالى توعد أمثالهن بقوله " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون" من هنا نعلم بأن الوقع شديد وسيكون الندم أشد على من سولت له نفسه تشريع مسألة التبرج على أنها ظاهرة طبيعية، فخروج المرأة عن المألوف هو أن تخلع سترتها لتبدي زينتها، فلو أن هذا الفعل لمجرده سلط الله تعالى على فاعليه عذابه لكفى، لذلك أنت بحجابك أختي فريدة النظير.... |